فخر الدين الرازي
773
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
مضمر يدل عليه وهو نكفت ويكون المعنى نكفتكم أحياء وأمواتا ، فينصبان على الحال من الضمير هذا هو اللغة ، ثم في المعنى / وجوه أحدها : أنها تكفت أحياء على ظهرها وأمواتا في بطنها والمعنى أن الأحياء يسكنون في منازلهم والأموات يدفنون في قبورهم ، ولهذا كانوا يسمون الأرض إما لأنها في ضمها للناس كالأم التي تضم ولدها وتكفله ، ولما كانوا يضمون إليها جعلت كأنها تضمهم وثانيها : أنها كفات الأحياء بمعنى أنها تكفت ما ينفصل الأحياء من الأمور المستقذرة ، فأما أنها تكفت [ الأحياء ] حال كونهم على ظهرها فلا وثالثها : أنها كفات الأحياء بمعنى أنها جامعة لما يحتاج الإنسان إليه في حاجاته من مأكل ومشرب ، لأن كل ذلك يخرج من الأرض والأبنية الجامعة للمصالح الدافعة للمضار مبنية منها ورابعها : أن قوله : أَحْياءً وَأَمْواتاً معناه راجع إلى الأرض ، والحي ما أنبت والميت ما لم ينبت ، بقي في الآية سؤالان : الأول : لم قيل : أَحْياءً وَأَمْواتاً على التنكير وهي كفات الأحياء والأموات جميعا ؟ الجواب : هو من تنكير التفخيم ، كأنه قيل : تكفت أحياء لا يعدون ، وأمواتا لا يحصرون . السؤال الثاني : هل تدل هذه الآية على وجوب قطع النباش ؟ الجواب : نقل القفال أن ربيعة قال : دلت الآية على أن الأرض كفات الميت فتكون حرزا له ، والسارق من الحرز يجب عليه القطع . النوع الثاني : من النعم المذكورة في هذه الآية قوله تعالى : وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ فقوله : رَواسِيَ أي ثوابت على ظهر الأرض لا تزول شامِخاتٍ أي عاليات ، وكل عال فهو شامخ ، ويقال : للمتكبر شامخ بأنفه ، ومنافع خلقة الجبال قد تقدمت في هذا الكتاب . النوع الثالث : من النعم قوله تعالى : وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً الفرات هو الغاية في العذوبة ، وقد تقدم تفسيره في قوله : هذا عَذْبٌ فُراتٌ * [ الفرقان : 53 ] . [ سورة المرسلات ( 77 ) : الآيات 29 إلى 34 ] انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ( 29 ) انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ ( 30 ) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ( 31 ) إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ ( 32 ) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ ( 33 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 34 ) اعلم أن هذا هو النوع الخامس : من وجوه تخويف الكفار وهو بيان كيفية عذابهم في الآخرة فأما قوله : انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ فالمعنى أنه يقال لهم انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون من العذاب ، والظاهر أن القائلين هم خزنة النار وانطلقوا الثاني تكرير ، وقرأ / يعقوب انطلقوا على لفظ الماضي ، والمعنى أنهم انقادوا للأمر لأجل أنهم مضطرون إليه لا يستطيعون امتناعا منه ، وهذا بعيد لأنه كان ينبغي أن يقال : فانطلقوا بالفاء ، ليرتبط آخر الكلام بأوله ، قال المفسرون : إن الشمس تقرب يوم القيامة من رؤوس الخلائق ، وليس عليهم يومئذ لباس ولا كنان ، فتلفحهم الشمس وتسفعهم وتأخذ بأنفسهم ويمتد ذلك اليوم ، ثم